سيد محمد طنطاوي
314
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي ولئن متم - أيها المؤمنون - وأنتم في بيوتكم أو في أي مكان ، أو قتلتم بأيدي أعدائكم وأنتم تجاهدون في سبيل اللَّه ، فعلى أي وجه من الوجوه كان انقضاء حياتكم فإنكم إلى اللَّه وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم . فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب في الجهاد من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد اللَّه وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الحتوف ، وقد يميت المقيم والقاعد في بيته مع حيازته لأسباب السلامة . وأن الذين يموتون على الإيمان الحق ، أو يقتلون وهم يجاهدون في سبيل اللَّه فإن لهم من مغفرة اللَّه ورحمته ما هو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا . وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى اللَّه ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين . قال الفخر الرازي : واعلم أن في قوله : * ( لإِلَى اللَّه تُحْشَرُونَ ) * دقائق : إحداها : أنه لم يقل : تحشرون إلى اللَّه ، بل قال : لإلى اللَّه تحشرون ، وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا نافع ولا ضار إلا هو . وثانيهما : أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة . وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . وثالثها : أن قوله * ( تُحْشَرُونَ ) * فعل لم يسم فاعله ، مع أن فاعلى ذلك الحشر هو اللَّه وإنما لم يقع التصريح به لأنه - تعالى - هو العظيم الكبير الذي شهدت العقول بأنه هو الذي يبدئ ويعيد ، ومنه الإنشاء والإعادة فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة . ورابعها : أن قوله * ( تُحْشَرُونَ ) * خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين ، يحشرون إلى اللَّه فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل ، واللَّه - تعالى - هو الذي يتولى الحكم بينهم « 1 » . وقبل أن تتمم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة ، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك . أخذت في بيان حال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة ، وأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة . فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 60 - بتصرف وتلخيص .